آخر ما كتبه الصحفي المرحوم “محمد شراق”

رئيسة المحكمة وشقيقتها الدبلوماسية !

محمد شراق، صحفي “الخبر”

رئيسة المحكمة وشقيقتها الدبلوماسية !

لا ينجب ” بطن” المرأة الواحدة، شاكلات بشرية مثيلة. أو بمعنى آخر، يحيرك الفرق الشاسع في نمط تفكير ورؤية الاشياء و التعامل مع الناس وحتى مع الوالدين، بين الأخ وأخيه و الأخت وأختها.

في البداية، ظننت أن صاحبة تلك الجبة الرثة التي ترافق والدتها المريضة، وهي قيد الاستشفاء بمصلحة الاستعجالات الطبية، بمستشفى “كليرفال”، امرأة تجر خلفها ركام من الجهل و التخلف، او هكذا كانت تبدو لي أنها من اللواتي أجبرن على التوقف عن اللالتحاق بحجرات الدراسة في وقت مبكر بضغط المجتمع الذكوري. فصار ذراعها الأيمن طويلا من فرط حمل دلاء المياء من الساقية، ووجهها أسمر شاخب من اثر دخان الفرن الطيني، مجددة في كل عشية وفاءها للمطلوع ولصاحب الحانوت الذي يشتري منها المطلوع لتعيل به عائلتها.

كانت مجرد أراجيف وتأويلات متشابكة في ذهني، عن تلك المرأة التي لا تمّل من طلبات والدتها المريضة الممددة على سرير يفصله عن سريري ستار أبيض، كانت والدتها من حين لآخر، تملأ قاعة الإستعجالات صراخا، لم أكن ألتفت إليها بقدر ما كنت أقيس درجة تحمل إبنتها، صاحبة الجبة الرثة، والوجه الشاحب، لخرجات والدتها في قاعة استعجالات مختلطة، وكيف كانت ترى رؤية الناس لها وهي تواجه معضلات نفسية لوالدتها، لا تنتهي واحدة إلا وبدأت اخرى.

لم أصادف معاملة بنت لأمها مثلما صادفت طيلة سبعة أيام بمصلحة الإستعجالات، وثلاثة أيام بطابق الإستشفاء العادي، لم تتلفظ المرأة الخمسينية، بكلمة ” أفٍ”، قطُّ، اتجاه والدتها، وكُلمّا نادت عليها، أتتها ماسحة فوق رأسها وبصوت خافت” أنعم يِمّا راني هنا” .. مشهد تكرر فوق 15 مرة في الساعة الواحدة.. “تُناولها الطعام، تُقلب وسادتها كل دقيقة، تُعدل رقودها وقعودها، في كل مرة بالشكل الذي يُريحها وخدمات أخرى لا تحصى”.

انتبه المرضى ومعهم زوارهم، لتلك المرأة التي صارت تخدم كل مريض جُهِّز له سرير بالإستعجالات.. لا تفرق بين رجل وامرأة، بدأت تأويلاتي لها وأراجيفي الذهنية، تتغير، كل ساعة، بل تغيرت كليًا لما جاءها طبيب محدثا إياها عن مرض والدتها وكيف كانت تجادله في ذلك.. أكيد أن هناك الكثيرات من الناجحات، مهنيا واجتماعيا، احترفن دلاء الساقية والمطلوع، لكن شيء ما يقول لي أن هذه المرأة ليست إمرأة مطلوع ولا ساقية.. ولا الجبة جبتها .. ربما الدنيا “تحرن” احيانا كالحصان فتصك إلى الخلف ولا تفرق بين ضحاياها .. ثم أنّ تلك المرأة التي زارت أمَّها البارحة، تبدو من عائلة ذات رفعة وثقافة، فهي تشبه أمها، قد تكون ابنتها أيضا.. لكنها لا تبدو مع أختها الخدومة من طين واحدة.

“شدة وتزول”، هكذا تردد خادمة والدتها عندما عندما تقهر الدموع أمّها وهي تتذكر أن أحفادها من ابنتها التي معها عشاؤهم الليلة، “فرماج وكاشير”. في يوم من تلك الايام، زارني مجموعة من الأصدقاء، بالمستشفى، تبادلنا أطراف الحديث، مع بعض ” التمنشير”.. انتهى وقت الزيارة، غادر الأصدقاء فجاءتني خادمة والدتها بعد أن كانت خدمتني بوجبة غذاء قبل موعد الزيارة، وهمست باتجاهي حتى لا يسمع من بالقاعة وهي تبتسم ” لقد فضحك أصدقاؤك.. أنت صحفي .. “، اقتربت مني أكثر وقالت “بما انك كتوم فإني أثق بك .. أنا رئيسة محكمة بالعاصمة وزوجي صحفي سابق توفي رحمه الله .. بيناتنا “.

سألتها مستغربا : منذ متى أنت رئيسة محكمة، ردت “منذ 20 سنة ولا أسئلة أخرى”، قلت لها “بصراحة لا يبدو عليك ذلك. ردّت “أعلم وهذا يروق لي”، هنأتها على الجائزة التي منحها إياها الله بخدمة والدتها وبهذا الشكل من المثابرة و الاجتهاد وخدمة المرضى، ثم استرسلت ” انا أرافق أمي طيلة تسع سنوات، في المستشفيات وفي كل مرة أدخر عطلتي السنوية لفترة استشفاء الوالدة وفي مرات عديدة طلبت عطل دون أجر ” إستيداع”.

كانت تحكي وهي تمسح على رأس أمّها فالتفتت الأخيرة لي، بعد أن ظننتها نائمة وقالت “لدي هذه البنت وبنت أخرى أنا بنت شهيد والحمد لله قريتهم، وحدة لي راهي قدامك والثانية تخدم في الماريكان”. سألتها ” أليست تلك المرأة التي زارتك البارحة ؟ ردّت “نعم”، سألت “كان بإمكانها إراحة ابنتك التي أمامك ليلة أو ليلتين تخدمك مثلما تفعل اختها”. تبادل الأم و البنت النظرات، ثم قالت لي البنت “بصراحة تلك هي أختي، لم ترافق أمّي ولو ليلة طيلة السنوات التسع التي حدثتك عنها، هي هكذا لا تبدي أي شعور اتجاه أمّها، وأقصى ما تفعله أنها تتصل بي أحيانا طالبة قائمة احتياجاتنا إن وجدت”.

تذكرت أنه عندما دخلت تلك المرأة “الزائرة” في المربع الذي توجد به أمّها، بدّت مكفهرة، غاضبة من أمرٍ ما، تتحسس روائح يمينا وشمالا، تمشي بحذر شديد ماسكة بحقيبتها اليدوية بقبضة شديدة، ثم استوت على كرسي بشكل بطيء جدا مخافة السقوط. بدّت لي عنجهيتها من الوهلة الأولى .. بصراحة كرهتها من أول شوفة.

صمتت العجوز المريضة قليلا ملتقطة بعض الأنفاس وقالت “بالنسبة لي لدي بنت وحيدة هي هذه.. تصوّر ماذا قالت أختها البارحة؟، قالت لي أنها لا تحبذ المكوث مطولا في المستشفيات لأنها تخشى أن ينتقل إليها فيروس ما فتصاب فينسف مسارها المهني؟؟ سألتها: “ما طبيعة عملها؟”. ردت “زعم ديبلومات كبيرة بواشنطن”.

المرحوم: محمد شراق (صحفي الخبر)،

مسشتفى “كليرفال”، الجزائر العاصمة: الثلاثاء 14 أوت 2018

Comments are closed.